أَنْوَاعُ الْقَلْبِ وَأَقْسَامُهُ
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ آيَة ٣٦: «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا». وَلَمَّا كَانَ الْقَلْبُ لِهَٰذِهِ الْأَعْضَاءِ كَالْمَلِكِ الْمُتَصَرِّفِ فِي الْجُنُودِ، الَّذِي تَصْدُرُ كُلُّهَا عَنْ أَمْرِهِ، وَتَكْتَسِبُ مِنْهُ الِاسْتِقَامَةَ وَالزَّيْغَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْإِيمَانِ ١/١٢٦، وَمُسْلِمٌ فِي الْمُسَاقَاةِ ١١/٢٦). كَانَ الِاهْتِمَامُ بِتَصْحِيحِهِ وَتَسْدِيدِهِ أَوْلَى مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ السَّالِكُونَ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْرَاضِهِ وَعِلَاجِهَا أَهَمَّ مَا تَنَسَّكَ بِهِ النَّاسِكُونَ.
أَقْسَامُ الْقُلُوبِ
لَمَّا كَانَ الْقَلْبُ يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ وَضِدِّهَا، انْقَسَمَ بِحَسَبِ ذَٰلِكَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقَلْبُ الصَّحِيحُ أَوِ السَّلِيمُ، وَالْقَلْبُ الْمَيِّتُ، وَالْقَلْبُ الْمَرِيضُ.
١. الْقَلْبُ الصَّحِيحُ :هُوَ الْقَلْبُ السَّلِيمُ الَّذِي لَا يَنْجُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ تَعَالَى بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ آيَة ٨٨ - ٨٩): «يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ». وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ الْقَلْبُ الَّذِي سَلِمَ مِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ تُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ، وَمِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَيرَهُ، فَسَلِمَ مِنْ عُبُودِيَّةِ مَا سِوَاهُ، وَسَلِمَ مِنْ تَحْكِيمِ غَيْرِ رَسُولِهِ، فَخَلَصَتْ عُبُودِيَّتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى إِرَادَةً، وَمَحَبَّةً، وَتَوَكُّلًا، وَإِنَابَةً، وَإِخْبَاتًا، وَخَشْيَةً، وَرَجَاءً، وَخَلَصَ عَمَلُهُ لِلَّهِ؛ فَإِنْ أَحَبَّ أَحَبَّ فِي اللَّهِ، وَإِنْ أَبْغَضَ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَإِنْ أَعْطَى أَعْطَى لِلَّهِ، وَإِنْ مَنَعَ مَنَعَ لِلَّهِ.
٢. الْقَلْبُ الْمَيِّتُ: وَهُوَ ضِدُّ الْقَلْبِ السَّلِيمِ؛ فَهُوَ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ، وَلَا يَعْبُدُهُ بِأَمْرِهِ، بَلْ هُوَ وَاقِفٌ مَعَ شَهَوَاتِهِ وَلَذَّاتِهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا سَخَطُ رَبِّهِ وَغَضَبُهُ. فَهُوَ لَا يُبَالِي إِذَا فَازَ بِشَهْوَتِهِ وَحَظِّهِ، رَضِيَ رَبُّهُ أَمْ سَخِطَ، فَهُوَ مُتَعَبِّدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَبَّ لِهَوَاهُ، وَإِنْ أَعْطَى أَعْطَى لِهَوَاهُ، وَإِنْ مَنَعَ مَنَعَ لِهَوَاهُ، فَهَوَ آثَرُ عِنْدَهُ وَأَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ رِضَا مَوْلَاهُ. فَالْهَوَى إِمَامُهُ، وَالشَّهْوَةُ قَائِدُهُ، وَالْجَهْلُ سَائِقُهُ، وَالْغَفْلَةُ مَرْكَبُهُ. الدُّنْيَا تُسْخِطُهُ وَتُرْضِيهِ، وَالْهَوَى يُصِمُّهُ عَمَّا سِوَى الْبَاطِلِ وَيُعْمِيهِ. فَمُخَالَطَةُ صَاحِبِ هَٰذَا الْقَلْبِ سَقَمٌ، وَمُعَاشَرَتُهُ سُمٌّ، وَمُجَالَسَتُهُ هَلَاكٌ.
٣. الْقَلْبُ الْمَرِيضُ: وَهُوَ قَلْبٌ لَهُ حَيَاةٌ وَبِهِ عِلَّةٌ، تُمِدُّهُ هَٰذِهِ مَرَّةً وَهَٰذِهِ أُخْرَى، وَهُوَ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا. فَفِيهِ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ مَا هُوَ مَادَّةُ حَيَاتِهِ؛ وَفِيهِ مِنْ مَحَبَّةِ الشَّهَوَاتِ وَإِيثَارِهَا، وَالْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِهَا، وَالْحَسَدِ، وَالْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ مَا هُوَ مَادَّةُ هَلَاكِهِ. فَهُوَ مُمْتنٌ بَيْنَ دَاعييْنِ: دَاعٍ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَدَاعٍ يَدْعُوهُ إِلَى الْعَاجِلَةِ، وَهُوَ إِنَّمَا يُجِيبُ أَقْرَبَهُمَا مِنْهُ بَابًا، وَأَدْنَاهُمَا إِلَيْهِ جِوَارًا. الْقَلْبُ الْأَوَّلُى حَيٌّ خَاشِعٌ لَيِّنٌ وَاعٍ، وَالثَّانِي يَابِسٌ مَيِّتٌ، وَالثَّالِثُ مَرِيضٌ؛ فَإِمَّا إِلَى السَّلَامَةِ أَدْنَى، وَإِمَّا إِلَى الْعَطَبِ أَدْنَى.