حَقِيقَةُ النِّيَّةِ وَفَضْلهَا


النِّيَّةُ لَيْسَتْ قَوْلَ الْقَائِلِ بِلِسَانِهِ "نَوَيْتُ" بَلْ هُوَ انْبِعَاثُ الْقَلْبِ يَجْرِي مَجْرَى الْفُتُوحِ مِنَ اللَّهِ، فَقَدْ تَتَيَسَّرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَقَدْ تَعْتَذِرُ فِي بَعْضِهَا. وَمَنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى قَلْبِهِ أَمْرَ الدِّينِ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ إِحْضَارُ النِّيَّةِ لِلْخَيْرَاتِ. فَإِنَّ قَلْبَهُ مَائِلٌ بِالْجُمْلَةِ إِلَى أَصْلِ الْخَيْرِ، فَيَنْبَعِثُ إِلَى التَّفَاصِيلِ غَالِبًا. وَمَنْ مَالَ قَلْبُهُ إِلَى الدُّنْيَا وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ بَلْ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ فِي الْفَرَائِضِ إِلَّا بِجُهْدٍ جَهِيدٍ.


وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الدُّنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". رواه البخاري في بدء الوحي (١/٩) ومسلم في الإِمَارَةِ (١٣/٥٣). قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "هَذَا الْحَدِيثُ ثُلُثُ الْعِلْمِ".


وَالنِّيَّةُ الصَّالِحَةُ لَا تُغَيِّرُ الْمَعَاصِيَ عَنْ مَوْضِعِهَا، وَذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" فَيُظَنُّ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَصِيرُ صَالِحَةً بِالنِّيَّةِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" يَخُصُّ مِنْ أَقْسَامِ الْعَمَلِ الثَّلَاثَةِ: الطَّاعَةَ وَالْمُبَاحَةَ دُونَ الْمَعَاصِي. إِذِ الطَّاعَةُ تَنْقَلِبُ مَعْصِيَةً بِالْقَصْدِ، وَالْمُبَاحُ يَنْقَلِبُ مَعْصِيَةً أَوْ طَاعَةً بِالْقَصْدِ، أَمَّا الْمَعْصِيَةُ فَلَا تَنْقَلِبُ طَاعَةً بِالْقَصْدِ. وَدُخُولُ النِّيَّةِ فِي الْمَعْصِيَةِ إِذَا انْضَافَ إِلَيْهَا قُصُور خَبِيثَةٌ تضَاعَفَ وِزْرهَا وَبَالهَا.


وَالطَّاعَاتُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنِّيَّاتِ فِي أَصْلِ صِحَّتِهَا، وَفِي تَضَاعُفِ فَضْلِهَا؛ فَأَمَّا الْأَصْلُ فَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَمَّا تَضَاعُفُ الْفَضْلِ فَبِكَثْرَةِ النِّيَّاتِ الْحَسَنَةِ. أَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا وَيَحْتَمِلُ نِيَّةً، أَوْ نِيَّاتٍ، يَصِيرُ بِهَا مِنْ مَحَاسِنِ الْقُرُبَاتِ، وَيَنَالُ بِهَا مَعَالِيَ الدَّرَجَاتِ.

فَضْلُ النِّيَّةِ


وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، وَصِدْقُ النِّيَّةِ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ".


دَخَلَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا الْمَسْجِدَ لِيَأْكُلَ فِيهِ شَيْئًا عَلَى عَادَتِهِ، فَنَسِيَ دِينَارًا، فَذَكَرَهُ فِي الطَّرِيقِ فَرَجَعَ فَوَجَدَهُ فَتَرَكَهُ وَلَمْ يَمَسَّهُ، وَقَالَ: "رُبَّمَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِي وَلَا يَكُونُ دِينَارِي". (كما في تهذيب الأسماء للنووي) (١/١٧٣).


وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "رُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ تُعَظِّمُهُ النِّيَّةُ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ". وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "تَعَلَّمُوا النِّيَّةَ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ مِنَ الْعَمَلِ". وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا عِنْدَ إِحْرَامِهِ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" فَقَالَ لَهُ: "أَتُعَلِّمُ النَّاسَ؟ أَوَلَيْسَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ؟!" وَذَلِكَ لِأَنَّ النِّيَّةَ هِيَ: قَصْدُ الْقَلْبِ، وَلَا يَجِبُ التَّلَفُّظُ بِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْعبَادَاتِ.