الإِخْلَاصُ


الإِخْلَاصُ: هُوَ تَجْرِيدُ قَصْدِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ. وَقِيلَ: هُوَ نِسْيَانُ رُؤْيَةِ الْخَلْقِ بِدَوَامِ النَّظَرِ إِلَى الْخَالِقِ. وَالإِخْلَاصُ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمُوَافِقِ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَيِّنَةِ آية: ٥: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾.


وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آنهِ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: »نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ. ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالْمُنَاصَحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ«. قَوْلُهُ "لَا يَغِلُّ" بِكَسْرِ الْغَيْنِ أَيْ: لَا يَخُونُ، انْتَهَى. (رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ١/١٤٠).


وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ تَسْتَصْلِحُ بِهَا الْقُلُوبُ، فَمَنْ تَخَلَّقَ بِها يطهرُ قَلْبهُ مِنَ الْخِيَانَةِ وَالْفَسَادِ وَالشَّرِّ. وَلَا يَتَخَلَّصُ الْعَبْدُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِالإِخْلَاصِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ ص (الآية: ٨٣): ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.


وَكُلُّ حَظٍّ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، قَلَّ أَمْ كَثُرَ، إِذَا تَطَرَّقَ إِلَى الْعَمَلِ تَكَدَّرَ بِهِ صَفْوُهُ وَزَالَ بِهِ إِخْلَاصُهُ. وَالإِنْسَانُ مُرْتَبِطٌ فِي حُظُوظِهِ، مُنْغَمِسٌ فِي شَهَوَاتِهِ، قَلَّمَا يَنْفَكُّ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَعِبَادَةٌ مِنْ عِبَادَاتِهِ عَنْ حُظُوظٍ وَأَغْرَاضٍ عَاجِلَةٍ مِنْ هَذِهِ الأَجْنَاسِ. فَلِذَلِكَ قِيلَ: مَنْ سَلِمَ لَهُ مِنْ عُمْرِهِ لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ خَالِصَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ نَجَا، وَذَلِكَ لِعِزَّةِ الإِخْلَاصِ، وَعُسْرِ تَنْقِيَةِ الْقَلْبِ عَنِ الشَّوائِبِ.


فَالإِخْلَاصُ: تَنْقِيَةُ الْقَلْبِ مِنَ الشَّوَائِبِ كُلِّهَا، قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، حَتَّى يَتَجَرَّدَ فِيهِ قَصْدُ التَّقَرُّبِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ بَاعِثٌ سِوَاهُ. وَهَذَا لَا يَتَصَوَّرُ إِلَّا مِنْ مُحِبٍّ لِلَّهِ مُسْتَغْرِقِ الْهَمِّ بِالآخِرَةِ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِحُبِّ الدُّنْيَا فِي قَلْبِهِ قَرَارٌ. فَمِثْلُ هَذَا لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ قَضَى حَاجَتَهُ، كَانَ خَالِصَ الْعَمَلِ صَحِيحَ النِّيَّةِ. وَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَبَابُ الإِخْلَاصِ مَسْدُودٌ عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى النُّدُورِ. فَإِنَّ عِلَاجَ الإِخْلَاصِ كَسْرُ حُظُوظِ النَّفْسِ، وَقَطْعُ الطَّمَعِ عَنِ الدُّنْيَا، وَالتَّجَرُّدُ لِلآخِرَةِ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى الْقَلْبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَيَسَّرُ بِهِ الإِخْلَاصُ.


كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي دَائِمًا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَتَأَخَّرَ يَوْمًا عَنِ الصَّلَاةِ، فَصَلَّى فِي الصَّفِّ الثَّانِي، فَاعْتَرَتْهُ خَجْلَةٌ مِنَ النَّاسِ حَيْثُ رَأَوْهُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، فَعَلِمَ أَنَّ مَسَرَّتَهُ وَرَاحَةَ قَلْبِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ كَانَتْ بِسَبَبِ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ. وَهَذَا دَقِيقٌ غَامِضٌ قَلَّمَا تَسْلَمُ الأَعْمَالُ مِنْ أَمْثَالِهِ، وَقَلَّ مَنْ يَنْتَبِهُ لَهُ إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْغَافِلُونَ عَنْهُ يَرَوْنَ حَسَنَاتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَيِّئَاتٍ، وَهُمُ الْمَقْصُودُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْكَهْفِ (الآيات: ١٠٣-١٠٤): ﴿قُلْ هل نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۞ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.


بَعْضُ الاثَارِ عَنِ الإِخْلَاصِ


قَالَ الإِمَامُ يَعْقُوبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الْمُخْلِصُ مَنْ يَكْتُمُ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَكْتُمُ سَيِّئَاتِهِ».

قَالَ الإِمَامُ السَّنُوسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الإِخْلَاصُ فَقْدُ رُؤْيَةِ الإِخْلَاصِ، فَإِنَّ مَنْ شَاهَدَ فِي إِخْلَاصِهِ الإِخْلَاصَ فَقَدْ احْتَاجَ إِخْلَاصُهُ إِلَى إِخْلَاصٍ». وَمَا ذُكِرَ إِشَارَةٌ إِلَى تَصْفِيَةِ الْعَمَلِ مِنَ الْعُجْبِ بِالْفِعْلِ، فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى الإِخْلَاصِ وَالنَّظَرَ إِلَيْهِ عُجْبٌ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الآفَاتِ.

قَالَ الإِمَامُ أَيُّوبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «تَخْلِيصُ النِّيَّاتِ عَلَى الْعُمَّالِ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ جَمِيعِ الأَعْمَالِ».

وَقِيلَ لِلإِمَامِ سُهَيْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ عَلَى النَّفْسِ؟ قَالَ: «الإِخْلَاصُ؛ إِذْ لَيْسَ لَهَا فِيهِ نَصِيبٌ». وَقَالَ الإِمَامُ الْفُضَيْلُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالإِخْلَاصُ: أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْهُمَا».